الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 النشأة الغربية للعلمانية*

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفيلسوف الصغير
عضو جديد
عضو جديد


ذكر عدد الرسائل : 29
تاريخ التسجيل : 02/02/2010

مُساهمةموضوع: النشأة الغربية للعلمانية*   الأحد فبراير 28, 2010 9:03 pm

مصطلح " العلمانية " هو الترجمة التي عاشت – بمصر والمشرق العربي – للكلمة الانجليزية SecuLarism بمعني الدنيوي .. والعالمي ، والواقعي – من الدنيا والواقع – المقابل – للمقدس " أي الديني الكهنوتي ، النائب عن السماء ، والمحتكر لسلطتها ، والمالك لمفاتيحها ، والخارق للطبيعة وسننها التي قدَّس الدنيا قداسة الدين ، وثبَّت متغيراتها – العلمية والقانونية والاجتماعية – ثبات الدين .
ولأن هذا هو معني المصطلح ، في نشأته وملابساته الأوروبية – النزعة الدنيوية ، والمذهب الواقعي في تدبير العالم من داخله ، وليس بشريعة من ورائه – فلقد كان قياس المصدر هو " العالمية أو " العالمانية " .. لكن صورته غير القياسية – " العلمانية " – هي التي قدر لها الشيوع والانتشار .
والعلمانية ، كنزعة في تدبير العالم ، وكمذهب في المرجعية الدنيوية لشئون العمران الإنساني ، لا يمكن فهمها – ومن ثم فهم الموقف الإسلامي منها – بمعزل عن الملابسات الأوروبية ، لنشأتها في إطار الحضارة الغربية المسيحية ، بجذورها الإغريقية الفلسفية ، وتراثها الروماني القاني والإضافة المسيحية لهذه الجذور وذلك التراث . وإذا كان التفصيل في هذه القضايا هو مما يخرج هذه الدراسة عن آفاقها ومقاصدها .. فإننا نكتفي بالإشارة إلي بعض القضايا في شيء من الإيجاز :
لقد ظلت المسيحية ، منذ نشأتها وعبر قرون طويلة من حياتها في المجتمعات الأوروبية : دينًا لا دولة ، وشريعة محبة لا تقدم للمجتمع مرجعية قانونية ولا نظامًا للحكم ، ورسالة مكرسة لخلاص الروح ، تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، وظلت رسالة كنيستها خاصة بمملكة السماء لا شأن لها بسلطان الأرض وقوانين تنظيم الاجتماع البشري ، في السياسة والاجتماع والاقتصاد ، وعلومها ومعارفها . وعبر هذه القرون ، حكمت العلاقات بين الكنيسة والدولة – أي الدين والمجتمع – نظرية " السيفين " Theory Of The Two Swords أي السيف الروحي – أو السلطة الدينية للكنيسة – والسيف الزمني – أو السلطة المدنية للدولة .
فلما حدث وتجاوزت الكنيسة حدود رسالة الروح ومملكة السماء ، فاغتصبت السلطة الزمنية أيضًا أضفت علي الدنيا قداسة الدين ، وثبتت متغيرات الاجتماع الإنساني ثبات الدين فدخلت بالمجتمعات الأوروبية مرحلة الجمود والانحطاط وعصورها المظلمة .. وسادت في تلك الحقبة نظرية " السيف الواحد " Theory Of The one Swords - أي السلطة الجامعة بين الديني والمدني – سواء تولاها " البابوات – الأباطرة " أو الملوك الذين يوليهم ويباركهم البابوات – وعرف هذا النظام ، في التاريخ الأوروبي بنظرية الحق الإلهي للملوك Divine Right The King .
وفي مواجهة هذا النظام ، وواقع الانحطاط الحضاري الذي أثمرته تطبيقاته – التي قدست الدولة وحكامها .. وجمدت الدنيا ومجتمعاتها وعلومها – كانت " الثورة العلمانية " التي فجرتها فلسفة التنوير الأوروبي ، والتي أقامت قطيعة معرفية مع فلسفة الحكم الكهنوتي ، وأسست النزعة العلمانية الحديثة علي التراث الأوروبي القديم وعلي عقلانية التنوير الأوروبي الحديث ، التي أحلَّت " العقل " و " التجربة " محل " الدين " و " اللاهوت " . لقد أعادت " الثورة العلمانية " الكنيسة إلي حدودها الأولي : خلاص الروح ، ومملكة السماء ، وجعل ما لقيصر لقيصر من دون الله ! .. وجعل " العقل " و " التجربة " ، دون " الدين .. واللاهوت " المرجع في تدبير شئون العمران الإنساني ، أي عزل " السماء " عن " الأرض " ، انطلاقاً من فلسفة أن العالم مكتف بذاته ، تدبره الأسباب المخلوقة في ظواهره وقواه وطبيعته ، دونما حاجة إلي رعاية إلهية أو تدبير شرعي نازل مما وراء الطبيعة والعالم .. فالعلمانية ، هي : جعل المرجعية في تدبير العالم إنسانية خالصة ، ومن داخل العالم ، دونما تدخل من شريعة سماوية هي وحي من الله الفارق لهذا العالم .
ولقد عرفت العلمانية الأوروبية – غير التيار المادي الملحد – تيارًا مؤمنًا بالله ، استطاع فلاسفته – من أمثال هوبز Hobbes (1588 – 1679م) ولوك Loke (1632 – 1716م) وليبينز Leibniz (1646 – 1716م) وروسو Rousseau (1712- 1778م) وليسنج Lessinc (1729 – 1871م) – التوفيق بين الإيمان بوجود إله خالق للعالم وبين العلمانية التي تري العالم مكتفيًا بذاته ، فتحصر تدبير الاجتماع البشري في سلطة البشر المتحررة من شريعة الله .. وكان هذا التوفيق مؤسسًا علي التصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية .. فالله ، في التصور الأرسطي ، واحد ، مفارق للعالم ، وخالق له .. لكنه قد أودع في العالم والطبيعة الأسباب التي تدبرهما تدبيرًا ذاتيًا ، دونما حاجة إلي تدخل إلهي ، أو رعاية إلهية فيما بعد مرحلة الخلق " فالحركة توجد في الشيء بذاته ، لا من حيث إن شيئًا خارجيًا هو الذي يحدث فيه هذه الحركة " و " عناية الله موقوفة علي ذاته ، ولا تدخُّل له في الأحداث الجزئية في العالم والطبيعة " .. فالعالم مكتف بذاته ، تدبره الأسباب المودعة فيه ، وهو وحده مصدر المعرفة الحقة ، القابلة للبرهنة والتعليل ، وتدبير الدنيا مرجعيته الإنسان – بالعقل والتجربة – دون رعاية أو تدبير أو تدخل من السماء – هكذا استندت العلمانية ، في تأسيس " دنيويتها " علي التصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية – فهو مجرد خالق .. فرغ من الخلق .. وانحصرت عنايته بذاته ، دونما رعاية أو تدبير للمخلوقات – كصانع الساعة ، الذي أودع فيها أسباب عملها دون حاجة لوجوده معها وهي تدور ! ..
وساعد العلمانية علي الانتصار لهذه النزعة ، التصور المسيحي لعلاقة الدين بالدولة ، فهو تصور يدع ما لقيصر لقيصر ، ويقف بالدين عند خلاص الروح ومملكة السماء ، دون أن يقدم شريعة للمجتمع والدولة ، الأمر الذي جعل " سجن " الدين في الكنيسة وفي الضمير الفردي " ثورة تصحيح ديني " وليس عدوانًا علي الدين ! .. وساعدها علي ذلك – أيضًا – أن التراث الروماني في فلسفة التشريع والتقنين ، قد جعل " المنفعة " ، غير المضبوطة بالدين وأخلاقياته وشريعته السماوية ، هي المعيار .. فكان الطريق إلي القانون الوضعي مفتوحًا أمام العلمانية ، يزكيه هذا التراث ! ..
هكذا نشأت العلمانية في سياق التنوير الوضعي الغربي ، لتمثل عزلا للسماء عن الأرض ، وتحريرًا للاجتماع البشري من ضوابط وحدود الشريعة الإلهية ، وحصرا لمرجعية تدبير العالم في الإنسان باعتباره " السيد " في تدبير عالمه ودنياه .. فهي ثمرة من ثمرات عقلانية التنوير الوضعي ، الذي أحل العقل والتجربة محل الله والدين ، وهي أقامت مع الدين – في تدبير العالم – قطيعة معرفية – وبعبارة واحدة من دعاة التنوير الغربي – فلم يعد الإنسان يخضع إلا لعقله .. في أيدلوجيا التنوير التي أقامت القطيعة الابستمولوجية – (المعرفية) – الكبرى التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية : عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني ، وعصر الموسوعة لفلاسفة التنوير .. فراح الأمل بمملكة الله ينزاح لكي يخلي المكان لتقدم عصر العقل وهيمنته .. وراح نظام النعمة الإلهية ينمحي ويتلاشي أمام نظام الطبيعة .. وأصبح حكم الله خاضعًا لحكم الوعي البشري ، الذي يطلق الحكم الأخير باسم الحرية " ! . إنها عزل السماء عن الأرض ، والدين عن الدنيا ، وإحلال الإنسان – في تدبير العمران البشري – محل الله !
وفود العلمانية إلينا في ركاب الغزوة الاستعمارية :
وإذا كانت غزوة بونابرت (1769 – 1821م) لمصر (1213هـ 1798م) قد مثلت بداية الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لوطن العروبة – قلب العالم الإسلامي – بعد أن التف هذا الاستعمار حول هذا العالم – عبر أربعة قرون ؟! .. فإن هذه الغزوة قد تميزت عن سابقتها الصليبية (489ــ 690هـ 1096 ــ 1291م) باستهدافها احتلال العقل ، واستبدال الفكر ، وتغيير الهوية – مع احتلال الأرض ، ونهب الثروة واستعباد الإنسان !- .. فكانت العلمانية واحدة من الوافد الغربي في ركاب الغزاة .. وللمرة الأولي تترجم الكلمة الفرنسية Lailque بكلمة " علماني " في المعجم الفرنسي العربي الذي صدر سنة 1828م ، والذي وضعه " لويس بقطر المصري " الذي خدم جيش الاحتلال الفرنسي بمصر ، ثم رحل معه ، ليدرس العامية المصرية في مدارس باريس !! - .. ترجمت " اللائكية " بالعلمانية ، من " العَلْم " – نسبة إلي " العالم " باعتباره " الدنيا " المقابلة " للدين " .. وفي كل موقع من بلاد الإسلام قامت فيه للاستعمار الغربي سلطة ودولة ، أخذ هذا الاستعمار – شيئًا فشيئًا – يُحل النزعة العلمانية في تدبير الدولة وحكم المجتمع وتنظيم العمران محل " الإسلامية " ويزرع القانون الوضعي العلماني حيثما يقتلع شريعة الإسلام وفقه معاملاتها .
 ففي الجزائر وتونس ، أخذ الاستعمار الفرنسي في إحلال القانون الوضعي العلماني محل الشريعة الإسلامية وقانونها – وكذلك صنعت انجلترا بمصر بعد أن احتلتها .. وعن هذا الغزو القانوني بالوافد العلماني يحدثنا عبد الله النديم (1261 – 1313هـ 1845 – 1896م) فيقول : " إن دولة من دول أوروبا لم تدخل بلدًا شرقيًا باسم الاستيلاء ، وإنما تدخل باسم الإصلاح وبث المدنية ، وتنادي أول دخولها بأنها لا تتعرض للدين ولا للعوائد ، ثم تأخذ في تغيير الاثنين شيئًا فشيئًا .. كما تفعل فرنسا في الجزائر وتونس ، حيث سنت لهم قانونًا فيه بعض مواد تخالف الشرع الإسلامي ، بل تنسخ مقابلها من أحكامه ، ونشرته في البلاد ، واتخذت لتنفيذه قضاة ترضاهم ، ولما لم تجد تعارضًا أخذت تحول كثيرًا من مواده إلي مواد ينكرها الإسلام ، وتوسيعًا لنطاق النسخ الديني ، ولم تلبث أن جاريناها – (في مصر) – وأخذنا بقانون يشبه .. " .
فبالقانون العلماني يتم النسخ الديني والمسخ لشريعة الإسلام ! ومع القانون العلماني – الوضعي .. الذي لا يضبط " المنفعة " بالشرع .. ولا يحكم حقوق الإنسان بحقوق الله وحده – جاءت الغزوة الاستعمارية الغربية إلي بلاد الإسلام بمفهوم الحرية الإنسانية المتحرر من الضوابط الشرعية ، والمؤسس علي أن الإنسان هو سيد العالم ومرجع التدبير للعمران – وليس علي المفهوم الإسلامي للاستخلاف ، الذي يضبط حرية الخليفة بالشريعة الإلهية ، التي هي معالم التدبير الإلهي للاجتماع الإنساني ، وفيها بنود عقد وعهد الاستخلاف الإلهي للإنسان . وعن هذا المفهوم العلماني للحرية – الذي يقضي – بعبارة عبد الله الندين - : " بعدم تعرض أحد لأحد في أموره الخاصة " – يقول النديم – في نقده .. وفي بيان بديله الإسلامي : " إن الحرية عبارة عن المطالبة بالحقوق ، والوقوف عند الحدود ، وهذا الذي نسمع به ونراه رجوع إلي البهيمة وخروج عن حد الإنسانية .. إنها حرية مدنية ينفر منها البهيم .. ولئن كان ذلك سائغًا في أوروبا ، فإن لكل أمة عادات وروابط دينية أو بيتية ، وهذه الإباحة لا تناسب أخلاق المسلمين ولا قواعدهم الدينية ولا عاداتهم ، وهي لا توافق عوائد أهل الشرق ولا أديانهم والقانون الحق هو الحافظ لحقوق الأمة من غير أن يجني أو يغري بالجناية عليها بما يبيحه من الأحوال المحظورة عندها .. " بل إن تسلل القانوني العلماني الغربي ، واختراقه لمؤسساتنا القضائية والتشريعية ، قد سبق أحيانًا الاحتلال العسكري المباشر والسلطة الاستعمارية السافرة ، وذلك عندما رافق تزايد " النفوذ " الاستعماري في بلادنا وتضخم الجاليات الأجنبية فيها .. فكان تسلله هذا تمهيدًا للاحتلال والاستعمار ؟! ..
ففي مصر ، علي عهد الخديوي سعيد (1237 – 1279هـ 1822 – 1863م) صدرت " إرادة " ؟! – في 12 من شعبان سنة 1272هـ 18 من إبريل سنة 1855م – بإنشاء محكمة تجارية (مجلس تجار) مختلط من المصريين والأجانب ، ليقضي في المنازعات التجارية التي يكون الأجانب طرفا فيها " .. فبدأ الاختراق العلماني لمؤسسة القضاء . ومع تزايد النفوذ الأجنبي ، أصبحت للأجانب الأغلبية في عضوية محكمة (قومسيون مصر) – ثلاثة مصريون ، وأربعة أجانب ! .. وبعد أن تعددت " المحاكم القنصلية " – التي يقضي فيها قضاة أجانب بالقانون الأجنبي ، في المنازعات التي يكون أحد طرفيها أجنبيًا – حتى بلغت – في ظل الامتيازات الأجنبية – سبع عشرة محكمة " – " نظمت هذه الفوضى " القانونية والقضائية سنة 1875م بإنشاء " المحاكم المختلطة " – وهي التي تقضي في المنازعات بين المصريين والأجانب " بقانون نابليون " العلماني .. وباللغة الفرنسية ، وأغلبية قضائها أجانب ، والرئاسة فيها للأجانب .. وفي دائرتها الجزئية ، ذات القاضي الواحد ، ينفرد القاضي الأجنبي بالحكم ، وكذلك في دوائر : الأمور المستعجلة ، والوقتية ، والبيوع ، ونزع الملكية العقارية ؟! .. فتم الاختراق العلماني لمؤسستي " القضاء " و " التشريع " معًا .. إذ " لم يقتصر النظام المختلط علي إنشاء قضاء أجنبي نافذ الأحكام علي الرعايا الوطنيين وعلي حكومة البلاد ، بل خوَل الدول الأجنبية حق التدخل في التشريع الذي يسري علي رعاياها .. " بل إن قاضيًا هولنديًا بهذه المحاكم المختلطة – فان بملن " Von Bemmelen قد وصف القضاء القنصلي بأنه " وليد الاغتصاب الواقع من الأقوياء علي حقوق الضعفاء " , ووصف المحاكم المختلطة – وكان قاضيًا بها – " بأنها ركن قوي من أركان السيطرة الأوروبية علي مصر " .
ولم تُجْد في مقاومة هذا التسلل العلماني إلي القضاء والتشريع المصريين " صيحة التحذير " التي أطلقها رفاعة الطهطاوي (1216 – 1290هـ 1801 – 1873م) عندما كتب (1286هـ 1869م) عن هذه المجالس التجارية التي رُتبت في المدن الإسلامية (لفصل الدعاوي والمرافعات بين الأهالي والأجانب ، بقوانين في الغالب أوروبية) وعقب علي هذا الاختراق القانوني العلماني ، قائلاً : " .. مع أن المعاملات الفقهية لو انتظمت وجري عليها العمل لما أخلت بالحقوق ، بتوفيقها علي الوقت والحالة .. ومن أمعن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية ، حيث بوبوا للمعاملات الشرعية أبوابًا مستوعبة ، للأحكام التجارية ، كالشركة ، والمضاربة ، والقرض ، والمخابرة والعارية ، والصلح ، وغير ذلك .. إن بحر الشريعة الغراء ، علي تفرع مشارعه ، لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها بالسقي والري ، ولم تخرج الأحكام السياسية عن المذاهب الشرعية ، لأنها أصل ، وجميع مذاهب السياسات عنها بمنزلة الفرع .. " .
لم تجد " صيحة التحذير " التي أطلقها الطهطاوي ، في مواجهة الاختراق العلماني لمؤسساتنا القضائية والتشريعية .. بل جاء " عموم بلوى الاختراق " عندما احتل الانجليز مصر (1299هـ 1882م) .. ففي العام التالي ، عمم الاحتلال القانون الأجنبي في عموم القضاء الأهلي المصري . ففي 24 من جمادي الآخرة سنة 1300هـ 2 من مايو سنة 1883م صدر القانون المدني والقانون التجاري ، وقانون التجارة البحري ، وقانون المرافعات – علي حالها الذي كانت عليه في المحاكم المختلطة – وصدرت قوانين العقوبات ، وتحقيق الجنايات – مع بعض التعديلات .. ولم يأت 13 من نوفمبر سنة 1883م حتى كانت القوانين قد " تَعَلْمنَت " في القضاء الأهلي المصري ! ..
وإذا كان الطهطاوي قد أشار إلي أن تقنين مبادئ الشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها " بتوفيقها علي الوقت والحالة " ، هو تقديم للبديل الإسلامي ، في مواجهة الاختراق التشريعي العلماني ، فإن تلميذه محمد قدري باشا (1237 – 1306هـ 1821 – 1888م) قد اجتهد في تقنين هذا البديل الإسلامي ، فقدم لمكتبة القانون الإسلامي :
1 – كتاب (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) في المعاملات الشرعية .
2 – وكتاب (قانون العدل والإنصاف للقضاء علي مشكلات الأوقاف) .
3 – وكتاب (تطبيق ما وجد في القانون المدني موافقًا لمذهب أبي حنيفة) .
4 – وكتاب (الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية) .. مبرهنًا بذلك علي استمرار المقاومة الإسلامية لاختراق العلمانية الغربية عقلنا القانوني ومؤسسات القضاء والتشريع في بلادنا .
وعلي هذا الدرب ، الذي اختطفه الطهطاوي " للإصلاح بالإسلام " ، ولتجديد دنيانا بتجديد ديننا ، سار الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1265 – 1323هـ 1849 – 1905م) ، الذي انتقد النزعة المادية للمدنية الأوروبية – " مدنية الذهب والفضة " .. ولفت النظر إلي تميز الإسلام ، الذي " ظهر ، لا روحيًا مجردًا ، ولا جسدانيًا جامدًا ، بل إنسانياً وسطا بين ذلك آخذا من كل القبيلين بنصيب ، فتوفر له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يتوفر لغيره ، وصار المدرسة الأولي التي يرقي فيها البرابرة علي سلم المدنية .. والذي جمع بين الدين والشرع ، فلم يعرف ما يسميه الإفرنج " ثيو كرتيك " أي سلطان إلهي .. وفي ذات الوقت لم يدع ما لقيصر لقيصر ، بل كان من شأنه أن يكون كمالا للشخص وألفة في البيت ، ونظامًا للملك ، امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه " .
ثم حكم بأن " سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها ، فإن إتيانهم من طرف الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين – (أي العلمانية) – هو بذر غير صالح للتربة ، لا ينبت ، ويضيع تعبه ، ويخفق سعيه .. فما لم تكن المعارف والآداب مبنية علي أصول الدين كافلا بتهذيب الأخلاق ، وصلاح الأعمال ، وحمل النفوس علي طلب السعادة من أبوابها ، ولأهله من الثقة فيه ما ليس في غيره ، وهو حاضر لديهم ، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به ، فلم العدول عنه إلي غيره؟! .. " .
فواصلت مدرسة الإحياء والتجديد الديني – التي قادها جمال الدين الأفغاني (1254 – 1314هـ 1838 – 1897م) – وأغني إبداعها محمد عبده – وحملت رسالتها (المنار) – للشيخ رشيد رضا (1282 – 1354هـ 1865 – 1935م) علي امتداد أربعين عامًا – واصلت رسالة المقاومة للاختراق العلماني ، إلي أن حملت الرايات جماعات اليقظة الإسلامية وحركاتها ، تلك التي انتقلت هذه المقاومة – بعد سقوط الخلافة (1342هـ 1924م) – من إطار " الصفوة " إلي إطار " الجماهير " !

*بقلم المفكر الاسلامي الاستاذ الدكتور/ محمد عمارة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همسات
عضو نجم
عضو نجم
avatar

انثى عدد الرسائل : 190
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 07/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: النشأة الغربية للعلمانية*   الثلاثاء مارس 02, 2010 8:18 pm

موضوع قمه في الروعه

جزاك الله خيرا

دمت فيلسوفا

دمت مفكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النشأة الغربية للعلمانية*
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: مستقبلنا العام :: حوارات-
انتقل الى: