الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 بحث مقدم إلى مؤتمر كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التاسع *

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفيلسوف الصغير
عضو جديد
عضو جديد


ذكر عدد الرسائل : 29
تاريخ التسجيل : 02/02/2010

مُساهمةموضوع: بحث مقدم إلى مؤتمر كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التاسع *   الأحد فبراير 28, 2010 9:08 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
لا أعلم، وقد بحثت كثيراً في مسألة المرأة وحقوقها والإشكالات التي تطرح اليوم بشأنها، أن الإسلام فاوت في حق من حقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة، وأنه جعل من صنف الذكورة والأنوثة سبباً لهضم حقوق أحد النوعين، وإليكم البيان:
إن الحقوق الإنسانية كلها تتجمع في الحقوق الكلية التالية:
1- حق الحياة.
2- حق الأهلية.
3- حق الحرية.
ولا أرى داعياً إلى إضافة ما يسمى بالحقوق الاجتماعية، إذ إن أكثرها يدخل في حق الحرية.
وتتفرع عن كل من هذه الكليات الثلاثة، حقوق متفرعة كثيرة، ولدى الرجوع إلى موقف الشريعة الإسلامية من هذه الحقوق وفروعها، وإلى معرفة مدى اهتمامها بها ورعايتها لها، لانجد للذكورة أو الأنوثة - من حيث هي - أي مدخل إلى الاهتمام أو الاستخفاف بشيء من هذه الحقوق، وإنما الذي يتحكم بالأمر، ما تقرره هذه الشريعة من ضرورة التنسيق بين الحقوق والواجبات، وبين الوظائف والصلاحيات.
حق واحد فقط، لم يثبته الشارع الحكيم جل جلاله للمرأة، (أقول: لم يثبته ولا أقول: حجبه) ألا وهو حق رئاسة الدولة، وسيأتي بيان الحكمة من ذلك.
ولاريب أن هذا المدخل الذي أجعل منه منطلقاً لحديثي، يثير اعتراضات واستنكارات ربما كثيرة.. فالرواسب المستقرة والمتكاثرة في أذهان كثير من الناس، توحي إليهم أن الشريعة الإسلامية ميزت بين الرجل والمرأة في الحقوق لعاملي الذكورة والأنوثة ذاتهما. فسَمتْ بالرجل إلى مزيد من الحقوق مكّنته من التمتع بها، وهبطت بالمرأة إلى مستوى من الدُّون حرمتها من بعض تلك الحقوق، ومن ثم فإن هذا القرار الذي أبدأ به حديثي، ربما تلقاه الكثير بالاستنكار أو الاستغراب.
حق الحياة-حق الأهلية
ولكن هاأنا ذا سأدخل في تفاصيل هذا البحث، بالقدر الذي يبرز ويؤكد حقيقة ما أقول:
لن أتحدث في حق الحياة وما يتفرع عنه، إذ ليس في شيء من هذا الحق أو ما يتفرع عنه، أي مشكلة تثار في مجال الحديث عن حقوق المرأة، فحياة كل من الرجل والمرأة مقدسة على حد سواء، والروادع التي تحمي حياتهما واحدة.. فإن قال قائل: ولكن الشريعة فاوتت بين ديتي الرجل والمرأة، فالجواب أن الدية تسوية حقوقية، وليست عقوبة رادعة ونظراً لأن الخسارة المالية بوفاة رب الأسرة أفدح منها بوفاة الزوجة ربة الأسرة عادة، فقد اقتضى سير العدالة هذا التفاوت.. ونظراً إلى هذا المعنى الذي يكمن وراء مشروعية الدية، فقد أدخلها كثير من الفقهاء في أحكام الإمامة والسياسة الشرعية ومن ثم فإن للقاضي أن يعلو ويهبط بدية المرأة، حسب حجم الخسارة المالية التي حاقت بالأسرة، لمقتلها.
غير أن الجدل يتطاول ويمتد عادة في الحديث عن حقي الأهلية والحرية، فلنقف ببيان شاف عند المشكلات التي تثار بالنسبة لكل منهما.
أما حق الأهلية: وهو كما معلوم من الحقوق المدنية، من تملك وتصرفات بالممتلكات وإنفاذ للعقود، وإقامة علاقات ونحوها، فالمشكلات التي تثار حيال أحكامها التفصيلية هي الميراث والشهادة.
(أما الميراث) فقد ألقت الجهالة المفرطة لدى كثير من الناس في أحكامها، أعباء ظلم شنيع انحط على الشريعة الإسلامية، ومن ثم نسجت وهماً لا أصل له في قسمة الميراث بين الرجل والمرأةü.
يجعل هؤلاء الجهال من قول الله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء:4/11] قاعدة مطردة نافذة في حال كل رجل وامرأة يلتقيان على قسمة ميراث.. بل ربما جعلوا من هذا الجزء من آية في كتاب الله تعالى، ساحة تفكّه وتندّر، فيما تقرره الشريعة الإسلامية طبق وهمهم، من أن الرجل يفوز دائماً بضعف ما تفوز به المرأة من حقوق.
إن الآية تبدأ بقول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء:4/11] إذن فبيان الله تعالى يقرر هذا الحكم في حق الولدين أو الأولاد.
أما الورثة الآخرون، ذكوراً وإناثاً، فلهم أحكامهم الواضحة الخاصة بكل منهم، ونصيب الذكور والإناث واحد في أكثر الحالات، وربما زاد نصيب الأنثى على نصيب الذكر في بعض الأحيان، وإليكم طائفة من الأمثلة:
إذا ترك الميت أولاداً وأباً وأماً، ورث كل من أبويه سدس التركة، دون تفريق بين ذكورة الأب وأنوثة الأم، وذلك عملاً بقوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ} [النساء:4/11]
إذا ترك الميت أخاً لأمه أو أختاً لأمه، ولم يكن ثمة من يحجبهما من الميراث، فإن كلاً من الأخ والأخت يرث السدس، دون أي فرق بين ذكر وأنثى، عملاً بقول الله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ} [النساء:4/12]
إذا ترك الميت عدداً من الإخوة للأم، اثنين فصاعداً، وعدداً من الأخوات للأم، إثنتين فصاعداً، فإن الإخوة يرثون الثلث مشاركة، والأخوات يرثن الثلث مشاركة، دون تفريق بين الإناث والذكور، لصريح قول الله تعالى:{فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء:4/12]
إذا تركت المرأة المتوفاة زوجها وابنتها، فإن ابنتها ترث النصف، ويرث والدها الذي هو زوج المتوفاة، الربع، أي إن الأنثى ترث هنا ضعف ما يرثه الذكر.
إذا ترك الميت زوجة وابنتين وأخاً له، فإن الزوجة ترث ثمن المال، وترث الابنتان الثلثين، وما بقي فهو لعمهما وهو شقيق الميت، وبذلك ترث كل من البنتين أكثر من عمهما، وذلك هو قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلمطبقاً لحكم الله عز وجل في آية الميراث.
إذن فقد تبين أن قول الله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} ليس قاعدة عامة، بل هي قيد للحالة التي ذكرها الله تعالى، أي الحالة التي يعصّب فيها الوارث الذكر أخته.
وأما الشهادة، فقد كانت هي الأخرى دليلاً آخر على ظاهرة اللامساواة بين الرجل والمرأة، وأساس ذلك عندهم قول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ..} [البقرة:2/282]
وأقول باختصار: إن الشروط التي تراعى في الشهادة، ليست عائدة إلى وصف الذكورة أو الأنوثة في الشاهد، ولكنها عائدة في مجموعها إلى أمرين اثنين:
أولهما: عدالة الشاهد وضبطه..
ثانيهما: أن تكون بين الشاهد والواقعة التي يشهد بها صلة تجعله مؤهلاً للدراية بها والشهادة فيها.
إذن فشهادة من خدشت عدالته، أو لم يثبت كامل وعيه وضبطه، لاتقبل، رجلاً كان الشاهد أو امرأة.. كذلك لابدّ من أن يتحقق القدر الذي لابد منه من الانسجام بين شخص الشاهد والواقعة التي يشهد فيها، وإلاّ ردّت الشهادة رجلاً كان الشاهد أو امرأة، وإن تفاوتت العلاقة بين المسألة التي تحتاج إلى شهادة وأشخاص المتقدمين للشهادة، كانت الأولوية لشهادة من هو أكثر صلة بهذه المسألة وتعاملا معها.
وانطلاقاً من هذه القاعدة، فإن الشارع يرفض شهادة المرأة على وصف جناية ما وكيفية ارتكاب الجاني لها، إذ أن تعامل المرأة مع الجرائم وجنايات القتل ونحوها، يكاد يكون من شدة الندرة معدوماً، والأرجح أنها إن صادفت عملية سطو من هذا القبيل، فستفر من هذا المشهد بكل ما تملك.
وعلى العكس من ذلك شهادة المرأة من أمور الرضاع والحضانة والنسب.. فإن الأولوية فيها لشهادة المرأة، إذ هي أكثر اتصالاً بهذه الأمور من الرجل، بل ذهب الشعبي إلى أن هذه الأمور مما لايصح فيها إلا شهادة النساء.
أفترون، إذن، أن هذا النظام التنسيقي بين شخص الشاهد والموضوع المشهود فيه آت من التسامي برجولة الرجل من حيث هو والهبوط بأنوثة المرأة من حيث هي؟ أعتقد أننا جميعاً متفقون بأن هذا الوهم لاينطلي إلا على ذهن جاهل بعيد كل البعد عن تتبع أحكام الشريعة الإسلامية.
والأهم من هذا، أن مما يغيب عن بال كثير من الناس أن هذه الشروط التي ترعاها الشريعة الإسلامية لصحة الشهادة إنما هي للشهادة التي تعدّ في القضاء الإسلامي بيّنة كاملة يترتب عليها الحكم.
أما الشهادة التي يستعان بها في مجال التحقيق، دون أن يُعتمد عليها وحدها في الحكم، وهي التي تدخل تحت ما يسمى بـ((قرائن الأحوال)) فمن المتفق عليه أن لافرق بين شهادة الرجل والمرأة قط، في سائر القضايا على اختلافها، إذ هي قرائن ومستندات في طريق التحقيق، وليست بينة كاملة ينبني عليها الحكم، وبهذا يتبين أن الشريعة الإسلامية، لم تلتق مع القوانين الوضعية قي مدى الإعتداء بشهادة المرأة فقط، بل سبقتها بأشواط..فإن القوانين الوضعية إنما تعتد بشهادة المرأة على مستوى ((قرائن الأحوال)) لا على أنها بينة كاملة سواء جاءت من الرجل أو المرأة، كما هو قرار الشريعة الإسلامية(1).
قد يقول هنا قائل: فهل ترجح شهادة المرأة على شهادة الرجل، أو العكس، إذا ما تحولت الأعراف من حال إلى حال؟
والجواب أن مقتضى العلة التي على أساسها تقبل الشهادة أو ترفض - بعد استثناء شرطي العدالة والضبط في الشاهد، أن يدور الحكم في ذلك مع دوران الأعراف الاجتماعية شريطة أن تدور في مناخ المباحات الشرعية وضمن دائرتها.
فينبغي مثلاً أن تغدو الأولوية في الشهادة على الولادة والذيول المترتبة عليها، للرجال، حيث يصبح القائمون بأمر التوليد الأطباء، لقلة أو لعدم وجود طبيبات متخصصات.
وينبغي أن تصبح الأولوية في الشهادة على خصومات تتعلق بالصيدلة ومسائلها وآثارها، للنساء، إذا غدت مهنة الصيدلة وقفاً في مجتمع ما، على النساء.
ولكن يجب أن نعلم إلى جانب هذا أنه لاعبرة بعرف اجتماعي متجدد، يخالف حكماً من أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة، إذ هو عرف باطل، وما يترتب على باطل فهو باطل مثله، وذلك كأن يقال: قد يظهر في بعض المجتمعات عرف بتوظيف المرأة في سلك الشرطة.. وهذا يقضي قبول شهادتها في الجرائم والجنايات.. إن من الواضح أن هذا الافتراض مرفوض، نظراً إلى أن الشارع جل جلاله، لا يقر جريان هذا العرف ومن ثم فهو لا يقر ما قد يترتب عليه، والسبب في عدم إقرار الشارع لهذا العرف أن من شأن هذه الوظيفة أن تفقد المرأة أنوثتها، وفي ذلك جور كبير عليها، كما أن في ذلك جوراً على المجتمع إذ يختفي منه، ولو جزئياً، السر الأنثوي الذي يضفي عليه معنى من أهم معاني السعادة.
ومن الدلائل البينة على ذلك أننا لانكاد نجد امرأة سوية الأنوثة والمزاج، تقبل الدخول في هذا السلك، إلا أن تكون مغلوبة على أمرها.. فيكون شأنها عندئذ كتلك التي ترتدي ((أفرول)) العمل وتعمل بياض نهارها سائقة تاكسي أو حمّالة حقائب.
حق الحرية
وأما حق الحرية: فمن الواضح أننا لانعني بها الحرية الداخلية، أي القدرة على تحكم الإنسان بذاته، والتحرر من قوانين بشريته، وإنما نعني بها الحرية الخارجية، وهي مدى المرونة التي يتمتع بها الإنسان في التعامل مع العالم المحيط به، من حيث سائر الأنظمة والأنشطة التي تتجلّى فيه.
ولنبدأ بمقدمة نصدّرها بهذا السؤال: ما هو موقف الإسلام من هذه الحرية عندما يرغب الإنسان أن يتمتع بها؟
وأقول في الجواب: إننا إن نلاحظ علاقة الإنسان بالله، علمنا أن الإنسان لا يملك أي حرية تجاهه، أي لا يؤذن له بالتمتع بها خارج النطاق الذي حدده الله له.
ذلك لأن الإنسان مكلف.. أي إنه مسؤول عن جملة وظائف والتزامات كلفه الله بها، ومن ثم فإنه لا يملك أن يتصرف إلا ضمن ما قد أذن له الله فيه.
غير أن هذا التكليف الذي يحول دون ممارسة المكلف لحريته في التصرف، لا تظهر قيمته وآثاره إلا في الحياة الآخرة، أما في الدار الدنيا فإن السبيل أمام المكلف تظل مفتحة، فهو يتمكن من فعل ما يشاء ومن التصرف على النحو الذي يريد، على الرغم من أن سمة التكليف تظل تلاحقه، فهو بهذا المعنى وضمن هذا النطاق يملك حريته، إذ هو متمكن من التصرف في فجاج هذه الحياة الدنيا، على النحو الذي يريد.
فإذا تبين هذا، فقد آن لنا أن نعلم، أن علاقة الإنسان بالحرية الداخلية مع ذاته، وبالحرية الخارجية مع مجتمعه، تنطبق على كل من الرجل والمرأة على السواء، فلا مدخل للرجولة بحد ذاتها، ولا للأنوثة بحد ذاتها في جوهر الحرية، أو نسبة تمتع الإنسان بها.
وهانحن نستعرض الجوانب التي قد تكون مثار جدل في هذا الأمر.
أولاً - حرية العمل:
إن الأعمال المشروعة التي أباحها الله تعالى للرجال، هي ذاتها التي أباحها الله للنساء، والأعمال التي حرمها الله تعالى على الرجال هي ذاتها التي حرمها الله على النساء.
غير أن الله تعالى ألزم الرجال بآداب سلوكية واجتماعية، فاقتضى ذلك أن تكون أعمالهم التي يمارسونها خاضعة لتلك الضوابط والآداب، وألزم النساء أيضاً بآداب سلوكية واجتماعية، فكان عليهن أن لايخرجن في أعمالهن التي يمارسنها على شيء من تلك الأحكام والآداب.
وعلى سبيل المثال: ألزم الله المرأة التقيد بمظاهر الحشمة، وحرّم عليها الخلوة بالرجال الأجانب كما حرّم على الرجال ذلك، إذن فلا يجوز لكل منهما ممارسة الأعمال التي قد تفضى إلى الخلوة المحرمة، دون تفريق، كما لايجوز للمرأة أن تباشر من الأعمال ما يضطرها إلى الخروج عن حشمتها التي أمرها الله بها.
فإذا التزم كل من الرجل والمرأة بالآداب المطلوبة من كل منهما، فإن للمرأة - كما للرجل - أن تباشر أي عمل من الأعمال المباحة بحد ذاتها، من صناعة أو زراعة أو تجارة أو وظيفة أو غيرها.
غير أن هذه الأعمال إذا تزاحمت بحكم تكاثر المتطلبات الأسرية والاجتماعية والثقافية مثلاً فلا مناص عندئذ من اتباع ما يقتضيه سلم الأولويات في تقديم الأهم عن المهم.. وهكذا.
إن الوقت لايسعف المرأة مثلاً في النهوض بسائر المهام التي تلاحقها من الانصراف إلى رعاية بيتها وتربية أولادها، مع قيامها بالوظائف الاجتماعية الأخرى، وكلها مفيدة ومشروعة لها في الأصل.
إذن فلا حل سوى اللجوء إلى رعاية ما يقتضيه سلم الأولويات.
وسلم الأولويات يقول فيما يقرره سائر علماء الدين والاجتماع: إن نهوض الزوجة الأم برعاية زوجها وتربية أولادها والعمل على تنشئتهم النشأة الصالحة، يرقى إلى مستوى الضروريات من مصالح المجتمع، وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن عليها حينئذ أن توفر وقتها للنهوض بهذا الضروري من المصالح الاجتماعية، وإن اقتضى ذلك التضحية بوظائف أخرى.
وهذا الواقع الذي يقتضيه سلم الأولويات، واحد من أهم الأسباب التي اقتضت أن يتحمل الزوج - في حكم الشريعة الإسلامية - مسؤولية نفقة الزوجة وكفايتها.. ولاريب أن هذه الشرعة هي التي جعلت الأسرة الإسلامية في مأمن من الشقاء الذي عصف بسعادة الأسرة في الغرب، وأحال المنازل التي كانت يوماً ما خلايا مقدسة لأسر متماسكة، إلى (موتيلات) صغيرة يأوي إليها أشخاص تقطعت مما بينهم صلات التعاون والقربى، فلم يعد يجمعهم إلا المبيت في هذه الملتقيات.
ثانياً - الحرية السياسية:
إن ما قلناه عن حرية العمل لكل من الرجل والمرأة، سنجده ينطبق هو ذاته على الأنشطة السياسية التي بوسع المرأة أن تمارسها، باستثناء رئاسة الدولة التي سنفرد الحديث عنها إن شاء الله.
ولنستعرض الوظائف السياسية، متدرجين من الأدنى إلى الأعلى.
أولى هذه المهام مبايعة الحاكم، وتدخل في حكمها مبايعة من يختارون ممثلين عن الأمة أو الشعب في مجالس الشورى، ومن المعلوم أن هذه البيعة عمل سياسي وليس دينياً مجرداً، إذ إن الذين دخلوا الإسلام يوم فتح مكة، إنما تم إسلامهم بإعلانهم عن عقيدتهم الإسلامية واستسلامهم لأركان الإسلام، وإنما كان وجه الحاجة إلى المبايعة ضرورة إعلانهم عن الانقياد للسلطة السياسية التي يتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذه المبايعة السياسية التي يأمر بها الدين، يستوي في المطالبة بها الرجال والنساء معاً دون أي تفريق.. روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله بايع النساء يوم الفتح، وكان يبايعهن بالكلام، أي دون مصافحة.
إذا تبين هذا، فإن القول ذاته يرد في مبايعة أو انتخاب المرأة لأعضاء مجلس الشورى، ذلك لأن ضابط الحكم ومصدره واحد في الحالتين.
ثاني هذه المهام: الاشتراك في عضوية مجلس الشورى على اختلاف أنواعها ومراتبها.
وبقطع النظر عن الأساليب التي تطورت إليها هذه المجالس، فإن مبدأ اعتماد الدولة على الشورى واجب شرعي يدخل في جوهر الدين وأساسه، وكلنا يقرأ في ذلك الأمر الإلهي الصريح في محكم بيانه.
وهذا واحد من الأحكام التي يتلاقى فيها الواجب مع الحق، فحكم الشورى يتضمن الوجوب في الخطاب الموجه إلى الحاكم، ويتضمن حقاً مقرراً في الخطاب الموجه إلى الأمة.
ونظراً إلى أن الأمة، أو الرعية، تتألف دائماً من شطري الرجال والنساء، فإن حق الشورى مستقر لهذين الشطرين معاً.
وقد جرى تطبيق هذا الحكم في عصر النبوة بأجلى صوره، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه دخل يوم صلح الحديبية على أم سلمة يشكو إليها أنه أمر الصحابة أن يتحللوا وينحروا هداياهم ويحلقوا رؤوسهم فوجموا ولم يفعلوا، فقالت: يا رسول الله، أتحب ذلك؟.. اخرج ولا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلموفعل ما قالته أم سلمة(2)..
وقد أوضح الحسن البصري ما يؤخذ من هذه الواقعة، من شرعية استشارة النساء، فقال: إنْ كان رسول الله لفي غنى عن مشورة أم سلمة، ولكنه أحب أن يقتدي الناس في ذلك، وأن لايشعر الرجل بأي معرة في مشاورة النساء.
وقد كان الخلفاء الراشدون يستشيرون النساء، وكان في مقدمتهم عمر رضي الله عنه، وكان أبو بكر وعثمان وعلي يستشيرون النساء(3)، ولم نجد في شيء من بطون السيرة والتاريخ أن أحداً من الخلفاء الراشدين حجب عن المرأة حق استشارتها والنظر في رأيها.
واعتماداً على هذا الذي ثبت من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلموعمل الصحابة فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشورى تلتقي مع الفتوى في مناط واحد، فكل من جاز له أن يفتي في أمر ما، جاز له أن يشير في الأمر ذاته، وكان للإمام والقاضي أن يستشيره ويأخذ برأيه.. ومعلوم أن الذكورة ليست شرطاً في صحة الفتوى ولا في منصبها.
يقول الماوردي في (أدب القاضي) إن كل من صحّ أن يفتي في الشرع، جاز أن يشاوره القاضي في الأحكام، فيجوز أن يشاور الأعمى والمرأة والعبد(4)، وهذا كلام عامة الفقهاء.
ثالث هذه المهام الوظائف السياسية الأخرى على اختلاف وتفاوت درجاتها.
ونقول بعموم وإيجاز: إن المرأة التي تكون أهلاً من حيث الخبرة والاختصاص، لأي من هذه الوظائف، والتي تكون مستعدة لأن تضبط نفسها وسلوكها بالضوابط الدينية التي أمر بها الله عز وجل، مما قد مرّ بيانه والتذكير به، ليس في الشرع ما يمنع من ممارستها لتلك الوظيفة.
وأقول بعبارة أوضح: إن الحظر الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلمهو ذاك الذي تضمن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة)) وقد اتفق العلماء على أن المراد بتولية الأمر إمامة الأمة أو رئاسة الدولة إذ هو قال ذلك بمعرض الحديث عن بوران التي نصبت ملكة في الإمبراطورية الفارسية، وتبقى الوظائف والمهام السياسية التي هي دون ذلك، مسكوتاً عنها، وقد علمنا أن الأصل في الأشياء كلها الإباحة، حتى يرد ما يخالف ذلك الأصل من الحظر.
وهذا يعني أن سائر الأنشطة السياسية التي قد تمارسها المرأة، مما هو دون رئاسة الدولة، داخل في عموم حكم الإباحة، بالشرطين اللذين نذكّر بهما: أن تكون المرأة أهلاً لتلك الوظيفة من حيث الخبرة، والاختصاص، وأن تتقيد بأوامر الدين وضوابطه وآدابه من حيث المظهر والسلوك.
والواقع أن شيئاً من هذه الوظائف، لايعوق المرأة عن الانضباط بأوامر ربها، وإنما المجتمع بنظمه وعاداته السيئة التي آل إليها، هو الذي يضغط على المرأة، ويزجها في تيار التخلي عن ضوابط دين الله وأحكامه.
ونحن إنما نتحدث عن حقوق المرأة الكاملة التي ضمنها لها الإسلام، في مناخ إسلامي سليم، إذ ليس من المنطق تحميل الإسلام مسؤولية المشكلات التي تنجم عن اختيار لقطات جزئية من أحكام الإسلام في مجتمع يفيض بمظاهر الشرود عن نظام الإسلام وهديه.
وقفة عند مشكلات تقليدية مختلفة
وأقول عنها: تقليدية، لأن الإجابات المنطقية المتكررة عنها، لم يقطع دابر الحديث عنها، إذ لم يعد الخوض فيها من أجل الوصول إلى معرفة حقيقة غائبة، وإنما من أجل التظرف بين الناس والظهور بالمظهر الثقافي والسمة التقدمية.. وإذا كانت هذه المسائل تسدل عليها كسوة الإشكال لتبرير الحديث فيها والتنطع بلغة الغيرة على الحقوق من خلالها، فلابد أن نلاحقها بما يكشف عنها هذه الكسوة الملقاة عليها، وبما يفضح الأهداف الكامنة وراء هذا التنطع وتحت مظاهر الغيرة المصطنعة، إذن فلنقف عند كل من هذه ((المشكلات)) وقفة بيان قصيرة.
أولاً - القوامة:
وأساسها قول الله عز وجل: {الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ} [النساء:4/34] ونقول باختصار: إن القوامة التي أخبر الله عنها هي قوامة إدارة ورعاية، لا قوامة تسلك وتحكّم بل إن كلمة ((قوامة)) لاتصلح في مدلولها اللغوي لهذا الوهم الثاني فقط.
إن الله عز وجل نفى أن يكون للرجل ولاية على المرأة، ولم يجعل لرجولته سلطاناً يبرر ذلك.
وأثبت الله عز وجل في مكانها ما لم يعرفه أي قانون وضعي إلى اليوم، وهو ما نعبر عنه في الشريعة الإسلامية بالولاية المتبادلة، فقال: {الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} [التوبة:9/71] فإذا أسقط البيان الإلهي ولاية الرجل على المرأة بهذا القرار الواضح الجلي، فأي معنى بقي إذن للقوامة التي أخبر في هذه الآية عنها؟.. المعنى الباقي لها هو الإدارة والرعاية، ومصدر استحقاق الرجل للأولى، كونه هو المنفق عليها والقانون الدولي يقول: من ينفق يشرف، أما مصدر رعايته لها، فما قد قضى به الله الفاطر الحكيم من أن سعادة كل من الرجل والمرأة، في أن تكون المرأة في كنف الرجل، لا أن يكون الرجل في كنف المرأة، وإن واقع الدنيا كلها أفصح بيان ينطق بذلك.
ثانياً - الحجاب:
يرى التائهون عن رؤية الحق، أن شرعة الحجاب التي ألزم الله بها المرأة، من أكبر الأدلة على ازدرائها للمرأة، والتقييد البالغ لحريتها.. والأمر في حقيقته على النقيض مما يتصورونه، فهو السبيل الذي لابد منه لاشتراك المرأة مع الرجل في بناء المجتمع بشتى مقوماته وأسبابه، من علوم وثقافة واقتصاد وتربية وغيرها، وإليكم بيان ذلك بمنتهى الإيجاز:
بين الرجل والمرأة جامع مشترك يتمثل في القدرات الذهنية وسائر الأنشطة الثقافية والاجتماعية والسياسية ونحوها.. ثم إن المرأة تستقل عن الرجل بما أودع فيها من مظاهر الأنوثة وعوامل الإغراء، التي جعل الله منها سبيل متعة متبادلة بينهما.
وبوسعكم الآن أن تتبينوا أنه لابد لتلاقي الرجل والمرأة على جامع مشترك من العمل الفكري والعلمي والاجتماعي للنهوض بالأمة وتحقيق أسباب تقدمها الحضاري، من أن لايبدو للرجل منها، في هذا الملتقى إلا ما يبرز منها مظهر الجامع المشترك بينهما، فإن أظهرت منها الجانب الآخر الذي تتميز به وهو جانب الأنوثة والإغراء، بشكل متكلف وبارز، فلابد أن ينسيه هذا الجانب منها، ذلك الجامع المشترك بينهما، وعندئذٍ لايلتفت منها إن تكلمت أو شاركت بكل الجهود العلمية والثقافية المختلفة، إلا إلى ما يبدو له منها من جاذبات الأنوثة والإغراء.. وفي هذا من الازدراء لشخصيتها العلمية والثقافية والفكرية ما لايغيب عن بال أي عاقل.. إن مما لايخفى على أحد، أن تهتاج بالرجل الذي يرى شريكته في الفكر والعمل الحضاري، وهي على هذه الحال، مشاعرهُ الغريزية، فتشرد عن كلامها وعن محاكاتها الفكرية، إلى التأمل فيما يتبدى أمامه من مغرياتها الجسدية، ترى هل يمكن أن تتصوروا امتهاناً للمرأة، باحثةً ومفكرةً وعالمةً أبلغ من هذا الامتهان، وأبعث منه على السخرية والازدراء.
إن الحجاب الذي شرعه الله لها، إنما هداها إليه لتنجو بذلك من هذا الازدراء الذي يبدد مزاياها العلمية والفكرية والاجتماعية في ضرام النظرات الغريزية المتجهة إليها من الرجال، ومن ثم لتمارس مع الرجل شركة حقيقية في إقامة مجتمع حضاري سليم.. فإذا وجدت المرأة مع الرجل في لقاء آخر ليمارس كل منهما حقه في المتعة، تحت مظلة تعاقد شرعي مقدس على تبادل مقومات هذه السعادة، فإن دور الحجاب ينطوي عندئذ، ويدعوها الشارع عندئذ إلى أن تبرز من مظاهر أنوثتها، كل ما يكون عوناً على تحقيق مزيد من السعادة في حياتها.
ثالثاً - رئاسة الدولة:
ما ينبغي أن ننسى أننا نتكلم عن حقوق المرأة، ومدى اهتمام الشريعة الإسلامية بها، في مجتمع مصطبغ بأحكام الشريعة الإسلامية، إن رئاسة الدولة في هذا المجتمع وظيفة دينية وقيادة إرشادية قبل أن تكون مهمة سياسية اجتماعية، ومن المعلوم أن ظروف المرأة تعوقها عن النهوض بكثير من جوانب هذه الوظيفة في شطرها الديني والإرشادي، ولا داعي إلى ذكر التفاصيل.
على أننا لابد أن نتوجه إلى تاريخ المجتمعات الإنسانية منذ فجره الذي دونته الأقلام.. فنسأل لماذا لانجد بين الآلاف الذي نُصِّبوا من الرجال ملوكاً ورؤساء على شعوبهم، أكثر من عدد أصابع اليدين أو نحو ذلك من النساء؟ ولماذا لم تنصَّب، بل لم ترشح، إلى اليوم امرأة واحدة، لسّدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي يعدّها كثير من المغفلين مظهراً لقمة الحضارة الإنسانية ورعاية حقوق الإنسان؟
إن الجواب الذي سيأتينا، ضمن حدود المنطق، على هذا السؤال، هو الجواب الثاني (بعد الجواب الأول) الذي نتوجه به إلى منتقدي شريعة الله عز وجل.
ولأختم حديثي بالبيان الرباني الجامع لأشتات كل ماقد ذكرت، القائل: {فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 3/195].
________________________________________
(1) انظر هذا البحث مفصلا في (الطرق الحكمية) لابن القيم (148) الطبعة النيرية.
(2) رواه البخاري 3/182، طبعة استنبول.
(3) انظر: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزية 101، والإصابة لابن حجر 4/392.
(4) أدب القاضي 1/264.
*بقلم الاستاذ الدكتور/محمد سعيد البوطي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همسات
عضو نجم
عضو نجم
avatar

انثى عدد الرسائل : 190
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 07/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: بحث مقدم إلى مؤتمر كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التاسع *   الثلاثاء مارس 02, 2010 8:16 pm

جزاك الله خيرا

دمت فيلسوفا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بحث مقدم إلى مؤتمر كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التاسع *
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: مستقبلنا الإسلامي :: الإسلام حول العالم-
انتقل الى: